بقلم: د. أكرم فروانة
يُخبرنا تدرج (هرم) ماسلو للحاجات البشريَّة والذي يتكون من (5) قواعدٍ، بأنَّ القاعدة الأولى والعريضة والأهم لإشباع احتياجاتنا كبشر، هي الاحتياجات الفسيولوجيَّة، والتي تتمثل بضمان توفير الغذاء، والماء، والمسكن، والملبس، والنَّوم، وما يشمل البيئة الصَّالحة للحياةِ البشريَّة!
وإذا ما توفرت تلك الاحتياجات، تأتي تلبية الاحتياجات في القاعدة الثانية في الهرم، والمُتمثلة باحتياجاتِ الأمانِ، بما تشملهُ من ضمانِ السَّلامة الجسديَّة، والأمنِ المعنوي، والأسري، والصَّحي، وأمن الموارد، والإيرادات، وأمن المُمتلكات الشَّخصيَّة من الجريمة!..
نكتفي بهاتين القاعدتين في التَّدرج، باعتبارهما الحد الأدنى والأساسي من الاحتياجات البشريَّة ليستطيع أي فرد أن يعيش حياة طبيعيَّة لأنَّ القواعد الثلاث المُتبقية في الهرم – تُعتبر بالنسبة لنا أشياء كماليَّة – فمثلاً، الاحتياجاتُ الاجتماعيَّة بما تشمله من علاقات عاطفيَّة، وأسريَّة، واكتساب الأصدقاء، ستكونُ ضرباً من الخيالِ في زمنٍ الحرب، التي لا يكادُ يجد الفرد فيها قوت يومهِ وقوت عياله، عدا عن حالاتِ النَّزوح المُتكررةِ، وعدم وجود أفقٍ لأي حل يلوح في الأفق، وإن وُجد فسيكون طويل الأمد!
..
وبعد أن دقَّت الحربُ طُبولها المُرعبة، اختفت سريعاً جميع مقوماتِ الحياةِ، فدُمرِّت البيوت، والمُستشفيات، وتحوَّلت المدارس لمراكز إيواء غير آمنة، وتكدَّست الخيام في كل مكانٍ، وشحّ الماء، وانتشرت الأمراض، وعاث الفساد، وعمَّت السَّرقة، وانتشرت الفوضى، وانعدم الأمان الاجتماعيّ، وسقطت منظومة القيم والأخلاق، ولم يبق إلا شجع التُّجار، واحتكار البضائعِ، وحرمان الأطفال من أبسط حقوقهم، كالأمن الغذائي، والصحي، والتعليمي، والأهم من ذلك جميعاً تيتُّم الأطفال، وفقدانهم ذويهم، مصدر أمنهم وأمانهم شهداء في الحرب البائسة!
..
إنَّ أبسط مقوماتِ التَّعليم تُعتبر تحدياً حقيقاً اليوم – في زمن الحرب – فمثلاً لا تتوفر مقاعد دراسيَّة، وطاولات للطلبة، ولا تتوفر سبورة، ولا كتب دراسيّة، وكذلك لا تتوفر نظافة شخصيَّة للطلبة؛ لغلاء أسعار مواد التنظيف، وكذلك عدم توفر ملابس للطلبة والمعلمين على حدٍ سواء، فهم يرتدون نفس الملابس منذ نحو العام، ولا حتى أحذية! وذلك إن اعتبرنا أن الكهرباء، والإنترنت، من الكماليات!
فعلى صعيد التَّعليم المدرسي، اختفى فجأة، وانقطع، ولا سيما أن الحرب كانت في بداية عامٍ دراسي جديد، لم يحصل فيه الطلبة على أية معرفة تُذكر، واستمرت الحالة نحو 5 أشهر بلا بوادر أو مُبادرات لإنعاشه، فظروف الحرب المُبهمة أعاقت أي تخطيط، وعجَّزت تنفيذ أي خطة طوارئ، ولست أبالغ إن قلت بأن أي منظومة تعليمية مهما بلغت جدارتها وقوتها، كانت لتصمد خُطط طوارئها، أو حتى تستطيع تنفيذها إن مرت بتجربة ممثالة، فلم تعرف البشرية حرباً بهذا القدر من الدَّمار، على صعيد البُنى التحتيَّة، والحصار، وانعدام مقومات الحياة..
التعليم في زمن الحرب
كما أنَّ الحرب لم تُفرق بين بيت أو مستشفى أو مدرسة، فعدد كبير من الطلبة والمعلمين فقدوا حياتهم، أو جرحوا، بالإضافة إلى تدمير عدد كبير من المدارس، فبحسب تقرير مجموعة التعليم في الأراضي المحتلة (oPt Education Cluster) الذي نُشر في 30/07/2024 بأن نحو 9211 طالب وطالبة، ونحو 400 معلم ومعلمة قد استشهدوا، وأصيب 14237 طالب وطالبة، و2246 معلم ومعلمة، ونحو 61% من المدارس أصيبت إصابة مباشرة، ودُمر نحو 24% من المدارس! أي نحو ربع المدارس أصبح خارج الخدمة! وتحتاج إلى بناءٍ من الصِّفر!
ومع ذلك كله، ومع مرور الوقت، بدأت حالة من التأقلم الزائف مع الظرف الرَّاهن، استثمر بعض المُعلمين طاقتهم باجتهاد شخصي، لتشكيل نواة لتعليم الأطفال، في أماكن نزوحهم، ربما تأتي هذه الحالة كنوعٍ من سد فجوة انقطاع الطلبة عن التعليم مدة تزيد عن 11 شهراً، فيُقدِّمون أساسياتٍ، ويشرحون ما تيسر من المنهاج، أو حتى الترفيه عن الأطفال، بتنفيذ مجموعة الأنشطة والتفريغ النفسي لهم، في ظل انعدام الموارد تماماً..

والبيئة الصفيَّة التي يتم التدريس بها، في الغالب ما تكون خيمة إمَّا مُخصصة لهذا الغرض تحديداً، أو خيمة تتحوَّل صفاً دراسياً صباحاً، ومكاناً للمبيت بالمساء، ويجلس الأطفال – من توفر له الوقت والظروف – للدراسة، وهم بذلك محظوظون، فمعظم الطلبة يذهب لينتظر دوراً في طوابير المياه، أو الخبز، أو التكيَّة، في ظل عمالة أطفال مُتفشية، لتوفير الرِّزق وإعالة الأسرة المُعدمةِ، وذلك لتحقيق القاعدة الأولى من الاحتياجات بحسب هرم ماسلو سالف الذكر، وإن عاد بعدها لخيمة الدراسة، سيكون مُنهكاً، مشغول البال، فاقد الأمل! ولا يجد الوقت المُناسب لحلِ الواجباتِ، في ظل تكدسِ الخيمةِ، ومكان النَّزوح!
ويأتي تحدٍ جدير بالاهتمامِ، فالقرطاسيَّة بما تشمله من أقلام، ودفاتر وكُتب دراسيَّة أصبحت من الكماليات، لغلاء أسعارها، وعدم توفرها، وكذلك السبورة، والطباشير، أو أقلام الكتابة على الألواح البيضاء أصبحت باهظة.
أمَّا ركيزة التَّعليم المُعلم، فهو في صراع كبير، بين مُبادرته لتدريس الطلبة، ونقل رسالته، والمعلمون ينقسمون إلى أربعة صنوف، الأول معلم يتقاضى راتباً من حكومة رام الله، فهو يتقاضى نسبة من راتبه، وموظفاً يتقاضى راتباً من غزة فيحصل على مبلغ زهيد لا يكفيه أسبوعاً، وموظف وكالة الغوث الذي يتقاضى راتباً كاملاً، ومُتطوع يرغب في التَّدريس أملاً في أن يكون له وظيفة ما في يوم من الأيام، أو لاكتساب الخبرة، وجميع الأصناف السَّابقة تشترك في أنَّ أوفرهم حظاً بالكاد يكفي راتبه أن يسد حاجاته الشهريَّة، في ظل غلاء الأسعار الفاحش، ونسبة سحب الرَّاتب المُرتفعة، مما يجعل مُشاركتهم الفاعلة في العودة إلى التَّعليم تحدياً كبيراً، عدا عن نفسيتهم المُتدهورة من أهوال الحرب، والفقد، ودمار منازلهم، ونزوحهم المستمر.
وبالنسبة للتعليم الجامعي، فلم يسلم هو الآخر، فمعظم الجامعات دُمرت إما كلياً أو جزئياً، وانقطع طلبتها عن الدِّراسة، وفقد الكثير منهم شغفهم لمواصلة التَّعليم في غزة، وبدأت حركة بحث محمومة لإرسال أوراقهم الجامعيَّة لاستكمال دراستهم في الخارج (قبل إغلاق معبر رفح)، ولا سيما أن معظم الجامعات قد اختفى تواصلها مع طلبتها تماماً في الشهور الأولى من الحرب، مما جعلهم يشعرون بانعدام الثقة في مواصلة تعليمهم! وخوفهم على مستقبلهم الهُلامي.
ولكن وبشكل تدريجي بدأت الجامعات دعوة طلابها للتعليم الإلكتروني، رغم أنَّ توفر الانترنت المُناسب، وتحمُّل كلفته الآن يُعتبران تحدياً حقيقياً، فالبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات قد دُمرت، وأصبح توفر الانترنت في المنازل نادراً، مما دفع الطلبة والمُحاضرين إلى استخدام إنترنت أقل أمناً وأقل جودة بهدف الإبقاء على شعرة مُعاوية لمواصلة التعليم الجامعي – ورغم تحفظنا على طبيعة الممارسات في هذا الجانب – إلا أنها تبقى خطوة جيدة لدمج الطلبة الجامعيين في تخصصاتهم إلى حدٍ ما، وذلك بافتراض أن الطالب الجامعي والمُحاضر الأكاديمي يملكان النفسيَّة والوقت والدَّافعية لإنجاز هذه المُهمة.
وعلى صعيد وزارة التربية والتعليم بغزة والضفة، ووكالة الغوث فإن محاولتهم بدء العملية التعليمية يشوبها نوع من الفتور، وهو أمر طبيعي، لعدم معرفة موعد انتهاء الحرب، لكن الوزارة نجحت بدمج الطلبة الذين غادروا قطاع غزة نحو مصر في التعليم، ووفرت لهم فرصة استكمال الثانوية العامة هُناك، ولكن الحديث عن رؤية واضحة لبدء التعليم في قطاع غزة ربما يكون أكبر تحدٍ لوزارة تعليم على الإطلاق!
..
وحتى لا يكون هذا المقال طويلاً، سنستكمل الجزء الثاني؛ الذي يهدف إلى تلخيص كل التحديات السابقة، والحديث عن حلول الوزارة المُقترحة، وكيف ومتى يمكن أن يبدأ التعليم في غزة..













اترك رد