الباحثة: رواء نبيل أبو معمر | دكتوراه، مناهج وطرق تدريس
المقدمة
يعد التفكير جوهر العملية التعليمية وركيزة أساسية في بناء شخصية الإنسان المتعلم، إذ لا يمكن للتعليم أن يحقق أهدافه الكبرى إذا ظل حبيس التلقين ونقل المعرفة المجردة. فالتفكير هو الأداة التي تجعل المتعلم قادرًا على فهم ما يتلقاه، ونقده، وإعادة إنتاجه في صور جديدة أكثر إبداعًا وارتباطًا بحاجاته الواقعية.
وتُعَد المرحلة الأساسية من أهم المراحل التعليمية التي يمر بها الطالب، إذ تشكِّل الأساس الذي تُبنى عليه شخصيته العلمية والمعرفية والمهارية. ففي هذه المرحلة تتفتح مدارك الطفل، وتتشكل خبراته الأولى، ويصبح أكثر قدرة على التفاعل مع محيطه الاجتماعي والثقافي. ومن هنا تأتي أهمية تنمية أنماط التفكير المختلفة لديه، وعلى رأسها التفكير البصري، لما له من دور كبير في مساعدته على إدراك العلاقات بين الأشياء والرموز والصور، وتحليلها وربطها بالمعاني.
وفي السياق الفلسطيني تزداد الحاجة إلى تنمية التفكير بشكل ملح، ليس فقط باعتباره مطلبًا تربويًا عالميًا، وإنما باعتباره وسيلة لمواجهة التحديات التي يعيشها المجتمع الفلسطيني على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فالمجتمع الذي يتعرض لضغوط الاحتلال والحرمان وقيود الحرية لا يملك ترف إغفال التفكير وتنميته لأن بقاءه وفاعليته يعتمدان على قدرته في إنتاج أجيال واعية، قادرة على التحليل والنقد والإبداع، لا مجرد الحفظ والتلقي السلبي.
تنمية التفكير في ضوء السياق الفلسطيني
إن تنمية التفكير في السياق الفلسطيني تتطلب وعيًا من المعلم بدوره الجديد؛ فلم يعد المعلم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح ميسرًا للتعلم، محفزًا للتساؤل، وموجهًا للطلبة نحو طرق جديدة في النظر إلى المعرفة. ويتطلب الأمر كذلك إعادة النظر في المناهج الفلسطينية لتصبح أكثر قدرة على إثارة الأسئلة بدلًا من تقديم الإجابات الجاهزة، وأكثر ارتباطًا بواقع الطالب الفلسطيني بدلًا من الاقتصار على نصوص بعيدة عن حياته اليومية. فالطالب الفلسطيني بحاجة لأن يشعر أن ما يتعلمه مرتبط ببيئته، وأن أسلوب تعلمه يفتح أمامه أبواب التفكير لا يغلقها.
مفهوم التفكير البصري
يعرفه ( عفانة، 2001) على أنه: قدرة عقلية مرتبطة بصورة مباشرة بالجوانب الحسية البصرية، ويحدث عندما يكون هناك تنسيق متبادل بين ما يراه المتعلم من أشكال ورسومات وعلاقات وما يحدث من ربط ونتاجات عقلية معتمدة على الرؤية والرسم المعروض.
ويعرفه (مهدي، 2006) على أنه منظومة من العمليات العقلية التي تترجم قدرة الفرد على قراءة الشكل البصري، وتحويل اللغة البصرية التي يحملها إلى لغة لفظية مكتوبة أو منظوقة، واستخلاص المعنى منه.
التعريف الإجرائي للتفكير البصري: هو عملية عقلية يستخدم فيها الطالب الصور والرسوم والرموز لفهم المعلومات والأفكار ثم التعبير عنها باللغة المكتوبة أو المنطوقة، بحيث يستطيع وصف ما يراه بصريًا وتحويله إلى كلمات مفهومة.
مهارات التفكير البصري
يلخص ( العشي، 2013) مهارات التفكير البصري كالتالي:
- مهارة التعرف على الشكل والوصف: وهو القدرة على تحديد أبعاد وطبيعة الشكل المعروض.
- مهارة تحليل الشكل: وهي القدرة على رؤية العلاقات في الشكل وتحديد خصائص تلك العلاقا ت وتصنيفها.
- مهارة ربط العلاقات في الشكل: وهي القدرة على الربط بين عناصر العلاقات في الشكل وإيجاد التوافقات بينها والمغالطات.
- مهارة إدراك وتفسير الغموض: هي القدرة على توضيح الفجوات والمغالطات في العلاقات والتقريب منها.
- مهارة استخلاص المعاني: هي القدرة على استنتاج معاني جديدة، والتوصل إلى مفاهيم ومبادئ علمية من خلال الشكل المعروض.
إن مهارات التفكير البصري تمثل أداة جوهرية في بناء وعي الطالب الفلسطيني، ولا سيما في المرحلة الأساسية التي تُعد اللبنة الأولى لتشكيل شخصيته، حيث أن هذه المهارات لا تُسهم فقط في تنمية القدرات الإدراكية والتحليلية للطلبة، بل تتجاوز ذلك لتصبح وسيلة تربوية لمواجهة التحديات الخاصة بالسياق الفلسطيني، حيث يحاول الاحتلال طمس الهوية وتشويه الحقائق.
استراتيجيات تنمية التفكير البصري وفق السياق الفلسطيني
استراتيجية التمثيل الجزيئي والنمذجة البصرية
أظهرت الدراسات فاعلية استراتيجية التمثيل الجزيئي في تنمية التفكير البصري، خاصة في مواد العلوم، حيث تساعد الطلبة على فهم المفاهيم المجردة من خلال التمثيل البصري (محمد، 2020). يمكن تطبيقها من خلال:
- استخدام النماذج ثلاثية الأبعاد.
- الرسوم التوضيحية والمخططات.
- المحاكيات التعليمية البسيطة.
استراتيجية قصص الخيال العلمي والأفلام التعليمية
أثبتت دراسات أن استراتيجيات قصص الخيال العلمي، لعب الأدوار مع تقمص شخصيات غير مألوفة، أفلام الخيال العلمي فعالة في تنمية مهارات التفكير البصري (الناقة، 2017). يمكن تطبيقها من خلال:
- إنتاج قصص مصورة بسيطة
- استخدام الأفلام القصيرة التعليمية
- أنشطة لعب الأدوار المرئية
استراتيجية أشاهد وأدون
تهدف هذه الاستراتيجية إلى التركيز على المشاهدة في تحصيل المعلومات من خلال تنمية مهارة الإدراك (Pinterest2024) :البصري والتركيز وتتضمن
- ملاحظة التفاصيل البصرية
- تسجيل الملاحظات بصرياً
- ربط المشاهدات بالخبرات السابقة.
تُظهر الاستراتيجيات المقترحة أبعادًا متنوعة لتنمية التفكير البصري لدى طلبة المرحلة الأساسية، إذ تجمع بين التمثيل والنمذجة، والسرد الخيالي، والمشاهدة التحليلية، غير أن فاعلية هذه الاستراتيجيات تتوقف بدرجة كبيرة على قدرة المعلم على توظيفها ودمجها داخل الموقف التعليمي بما يتناسب مع إمكاناته وبيئة الطلبة.
فاستراتيجية التمثيل الجزيئي والنمذجة البصرية لا تقتصر على عرض نماذج جاهزة، بل تتطلب من المعلم أن يحفز الطلبة على إنتاج مخططات ورسوم تعبيرية بأنفسهم، مما ينقلهم من دور المتلقي إلى دور الفاعل، وفي السياق الفلسطيني، حيث يعاني الطلبة من محدودية المختبرات وقلة الوسائل، يصبح المعلم هو المحرك الأساسي لتعويض النقص من خلال توظيف وسائل بديلة مثل استخدام مواد البيئة البسيطة في النمذجة، أو الاستعانة بالوسائط الرقمية المتاحة عبر الهواتف الذكية منخفضة التكلفة.
أما استراتيجية قصص الخيال العلمي والأفلام التعليمية، فهي تتطلب معلمًا يمتلك القدرة على ابتكار مواقف قصصية تثير خيال الطلبة وتدفعهم للتفكير البصري النقدي. في ظل الواقع الفلسطيني، يمكن للمعلم أن يوظف قصصًا مرتبطة بالبيئة ، بحيث تمثل بعدًا وجدانيًا يقرّب الخيال العلمي من حياة الطالب اليومية، ويعزز ارتباطه بواقعه وهويته.
وفيما يتعلق باستراتيجية “أشاهد وأدون”، فإن نجاحها مرهون بمهارة المعلم في تدريب الطلبة على الملاحظة الدقيقة وتوجيه أنظارهم نحو التفاصيل المهمة في المشاهدات، ثم مساعدتهم على الربط بين ما يشاهدونه وبين خبراتهم السابقة. هذا الأمر في السياق الفلسطيني ذو أهمية مضاعفة، إذ يمكن أن يجعل من المشاهدة وسيلة لتثبيت الهوية الثقافية والوطنية (مثل مشاهدة معالم تراثية) وتحويلها إلى خبرات تعليمية بصرية.
وبذلك يتضح أن دور المعلم الفلسطيني لا يقتصر على تطبيق هذه الاستراتيجيات بشكل تقني، بل يتجاوزه إلى إعادة تكييفها بما يتلاءم مع الواقع الفلسطيني الذي يتميز بنُدرة الموارد من جهة، وغنى البيئة الثقافية والمجتمعية من جهة أخرى. ومن هنا فإن كفاءة المعلم وقدرته على الإبداع والتوظيف التربوي تشكّل العامل الحاسم في تحويل هذه الاستراتيجيات إلى أدوات فاعلة في تنمية التفكير البصري لدى طلبة المرحلة الأساسية.
التحديات التي تواجه تنمية التفكير في التعليم الأساسي الفلسطيني
إن الحديث عن تنمية التفكير في السياق الفلسطيني لا يمكن أن يكتمل من غير التطرق إلى التحديات التي تقف في وجه هذه العملية التربوية المعقدة. فالتعليم في فلسطين يواجه واقعًا استثنائيًا بفعل الاحتلال والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تترك أثرًا مباشرًا على طبيعة البيئة التعليمية فالمعلم الفلسطيني هو الفاعل الرئيس في عملية التربية، يجد نفسه في كثير من الأحيان محاصرًا بظروف خارجة عن إرادته، من ضيق الإمكانيات المادية إلى كثافة الصفوف، ومن محدودية الوسائل التعليمية إلى ضغط المناهج الثقيلة. هذه العوامل تجعل من مهمة دمج استراتيجيات تنمية التفكير تحديًا يوميًا يتطلب صبرًا وابتكارًا. (UNESCO, 2018)
إضافة إلى ذلك، فإن الثقافة المجتمعية أحيانًا لا تمنح التفكير البصري مساحة كافية، حيث يميل بعض أولياء الأمور إلى النظر للتعليم باعتباره عملية تلقين وحفظ للمعلومات، بدلًا من أن يكون وسيلة لتطوير القدرات العقلية لأبنائهم هذا الضغط الخارجي يخلق فجوة بين ما يسعى المعلم لتحقيقه من تنمية مهارات التفكير، وبين ما يتوقعه الأهل من نتائج سريعة مرتبطة بالامتحانات والتحصيل الأكاديمي.
(Zohar & Dori, 2012)
ولا يمكن إغفال الأثر النفسي والاجتماعي للواقع الفلسطيني على الطالب نفسه. فالطفل الذي يعيش تحت وطأة الحصار أو في ظل أجواء غير مستقرة، قد يجد صعوبة في التركيز أو في الانخراط بفاعلية في عمليات التفكير العميق وهذا يعني أن أي استراتيجية لتنمية التفكير يجب أن تراعي هذا البعد النفسي، وأن تُدمج الدعم النفسي الاجتماعي في العملية التعليمية، بحيث يتمكن الطالب من بناء عقل متزن قادر على الإبداع والنقد رغم الضغوط. (Barber, 2016)
ومن التحديات أيضًا غياب التدريب الكافي للمعلمين في مجال استراتيجيات التفكير. فالكثير من المعلمين في التعليم الأساسي لم يحصلوا على تدريب متخصص في كيفية دمج التفكير في الممارسات الصفية اليومية وهذا يجعل جهودهم أحيانًا فردية أو محدودة التأثير. ومن هنا تظهر الحاجة الماسّة إلى برامج تدريبية وطنية شاملة تهدف إلى تمكين المعلمين من امتلاك الأدوات اللازمة لتنمية التفكير بطرق منهجية وعلمية.
آفاق مستقبلية لتنمية التفكير في التعليم الأساسي الفلسطيني
رغم التحديات السابقة، فإن المستقبل يحمل آفاقًا واعدة إذا ما تم استثمار الطاقات والإمكانات المتاحة بذكاء. فتنمية التفكير يمكن أن تتحول إلى مشروع وطني شامل، إذا تضافرت الجهود بين وزارة التربية والتعليم، والجامعات، والمؤسسات الأهلية، والمعلمين أنفسهم.
ومن أبرز هذه الآفاق إعادة تصميم المناهج الدراسية لتكون أكثر تركيزًا على التفكير وتنميته فبدلًا من أن تكون المناهج قائمة على الحفظ وتكديس المعلومات، يمكن أن تُبنى على مواقف حياتية ومشكلات حقيقية تحفّز الطالب على التفكير هذه المناهج تحتاج إلى أن تكون مرنة، وقادرة على استيعاب الفروق الفردية، وأن تتيح للطالب مساحة للتجريب والخطأ والمحاولة(Marzano, 2001) .
وعلى المستوى المجتمعي، هناك حاجة إلى تغيير النظرة تجاه التفكير نفسه. يجب أن يدرك الأهل والمجتمع أن تنمية التفكير ليست ترفًا، بل هي أساس لتمكين الفرد الفلسطيني من مواجهة تحديات الحياة اليومية وبناء مستقبل أفضل. إن الاستثمار في التفكير هو استثمار في الإنسان، والإنسان هو رأس المال الحقيقي للشعوب (Robinson, 2011).
كما أن التعاون الإقليمي والدولي يمكن أن يوفر فرصًا لتبادل الخبرات والتجارب الناجحة في مجال تنمية التفكير. فالتعليم الفلسطيني يمكن أن يستفيد من التجارب العالمية، مع تكييفها لتناسب خصوصية السياق المحلي هذه الشراكات يمكن أن تسهم في توفير موارد إضافية، وتفتح آفاقًا للبحث العلمي والتطوير المستمر (OECD, 2019)
الخاتمة
إن تنمية التفكير في التعليم الأساسي الفلسطيني ليست مجرد خيار تربوي، بل هي ضرورة وجودية تفرضها طبيعة المرحلة والتحديات التي يعيشها الشعب الفلسطيني. فالمجتمع الفلسطيني يحتاج إلى أجيال قادرة على النقد والإبداع، وعلى مواجهة التحديات المعقدة بروح منفتحة وعقلية مبتكرة. التعليم الأساسي هو البوابة الأولى لتحقيق ذلك، حيث تتشكل فيه العقول والعادات والاتجاهات التي سترافق الفرد مدى حياته.
ورغم التحديات الماثلة أمام هذه المهمة، فإن الأمل يظل قائمًا في أن تتحول المدارس الفلسطينية إلى فضاءات حقيقية للتفكير، وأن يصبح المعلم ميسرًا لرحلة عقلية ممتعة، لا مجرد ناقل للمعرفة، إن الاستثمار في التفكير يعني الاستثمار في المستقبل، والمستقبل الفلسطيني بحاجة ماسة إلى عقول تفكر، وإلى قلوب تؤمن بأن الحرية والكرامة لا تُنتزع إلا بوعيٍ مستنير وفكرٍ مبدع.
المراجع
- عزو، عفانة. (2001). أثر استخدام المدخل البصري في تنمية القدرة على حل المسائل، والاحتفاظ بها لدى طلبة الصف الثامن الأساسي بغزة. المؤتمر العلمي الثالث عشر، مناهج التعليم والثورة المعرفية والتكنولوجية المعاصرة.
- مهدي، حسن. (2006). فاعلية استخدام برمجيات تعليمية على التفكير البصري والتحصيل في التكنولوجيا لدى طالبات الصف الحادي عشر. رسالة ماجستير غير منشورة. الجامعة الإسلامية، غزة.
- العشي، دينا. (2013). فاعلية برنامج بالوسائط المتعددة لتنمية المبادئ العلمية ومهارات التفكير البصري لدى طلاب الصف السادس الأساسي في مادة العلوم بغزة. رسالة ماجستير غير منشورة. الجامعة الإسلامية، غزة.
- الناقة، صلاح (2017). فعالية برنامج قائم على الخيال العلمي في تنمية المفاهيم ومهارات التفكير البصري في العلوم لدى طالبات الصف الثامن الأساسي بغزة. مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات التربوية والنفسية، 25(2)، 282-308.
- محمد، سارة فضل (2020). أثر استراتيجية التمثيل الجزيئي في تنمية التفكير البصري لدى طالبات الصف الثاني ثانوي في مادة الكيمياء. مجلة الأندلس للعلوم الإنسانية والاجتماعية.
- المراجع الأجنبية:
- UNESCO. (2018). Education in Palestine: Challenges and perspectives. Paris: UNESCO.
- Zohar, A., & Dori, Y. J. (2012). Metacognition in science education: Trends in currentresearch. In A. Zohar & Y. J. Dori (Eds.), Metacognition in science education: Trends in current research (pp. 1–19). Dordrecht: Springer.
- Barber, B. K. (2016). Research on the impact of political conflict on child development in the Palestinian context. Child Development Perspectives, 10(3), 179–185.
- Marzano, R. J. (2001). Designing a new taxonomy of educational objectives. Thousand Oaks, CA: Corwin Press.
- Robinson, K. (2011). Out of our minds: Learning to be creative (2nd ed.). Oxford: Capstone.
- OECD. (2019). Future of education and skills 2030: OECD learning compass 2030. Paris: OECD
- Publishing.













اترك رد