الاتجاه الضمني في التفكير بين الواقع والمأمول

صورة ثلاثية الأبعاد لرأس إنسان بلون برتقالي مضيء بداخله شبكة تفكير هندسية متوهجة، تحيط به أشكال هندسية وخطوط منحنية في خلفية متدرجة بين الأزرق والبنفسجي والبرتقالي، تعبّر عن الاتجاه الضمني في التفكير بين الواقع والمأمول.
— by

الباحثة: عزة وادي – باحثة دكتوراة

المقدمة

أصبح تعليم التفكير في العقود الأخيرة اتجاهاً معاصراً يثير اهتمام المؤسسات التربوية والمجتمعية على اختلاف توجهاتها، لما له من دور محوري في إعداد جيل يمتلك القدرة على توظيف مهارات التفكير في مواجهة المشكلات وتجاوز العقبات. فهو لا يقتصر على دعم الفرد في حياته اليومية، بل يشكل دافعاً للإبداع والتطوير في ميادين العمل المختلفة، بما يسهم في خدمة المجتمع ويُعدّ رافعةً أساسية لتقدمه ونهضته. فالتفكير هو الثروة الحقيقية التي لا تنضب اذا ما أُحْسن استثماره واستغلاله بطرقٍ مناسبة وملائمة.

ونتيجةً لذلك وجب تضمين مهارات التفكير ضمن المناهج الدراسية وترجمتها في الواقع المعاش فنجد أن وثيقة تطوير المناهج الفلسطينية للعام 2016م أولت التفكير جانباً من الاهتمام حيث ورد ضمن السياقات والعناوين المختلفة للوثيقة “فلقد كان من الأسباب التي دعت لتطوير المناهج المعتمدة في العام 2000م هو ما أظهرته الدراسات الميدانية والتي أشارت إلى ضعف المهارات الحياتية في المنهاج الفلسطيني، وضحالة ربط مفاهيمه بالسياقات الحياتية، وأنماط التفكير”.(وثيقة الإطار العام للمناهج الفلسطينية المطورة، 2016: 5).

الاتجاه الضمني في التفكير

وتتعد الاتجاهات في تعليم التفكير  في المناهج الدراسية فمنها التعليم الصريح للتفكير  ويعتمد هذا الاتجاه على تخصيص وحدات ودروس و مكونات منهجية للتفكير بوضوح، مع تعليم المصطلحات، والمهارات، ومنهجياتها  بشكل مفصل وتكون عمليات التقويم صريحة في هذا الاتجاه بأنها تقيس مدى امتلاك المتعلم لتلك المهارات. بينما اتجاه التعليم الضّمني للتفكير فإنه يعتمد على  إدماج مهارات التفكير (مثل التحليل، التفسير، التقييم، الإبداع) ضمن الأنشطة والمضمون التعليمي دون أن يُعْلن أنها هدف منفصل ؛إذ يقصد بالاتجاه الضمني أنه الميول التي يختزنها التفكير الفردي بشكل غير واعٍ أو شبه واعٍ، والتي تُؤثّر في استجابات الفرد، في الحكم، واتخاذ القرار، دون أن يكون الشخص مدركًا تامًا بها ( جروان، 2007).

إن تبني الاتجاه الضمني في تعليم التفكير يستلزم بالضرورة وضوح عمليات التفكير داخل الموقف التعليمي، بحيث يصبح تدريس مهارات التفكير موازياً لتدريس المحتوى المعرفي. فالتعليم لا يُختزل في تزويد المتعلمين بكمٍ كبير من المعلومات، ولا يقتصر على حل المسائل أو تنفيذ المشروعات، بل يتطلب من المعلمين اعتماد مبدأ التمهّن المعرفي الذي يُستخدم لوصف الكيفية التي يقدّم بها المعلم استراتيجيات تفكير واضحة، تُمكّن المتعلمين من مشاهدة كيفية التعامل مع المشكلات. كما أن استخدام أسلوب “التفكير بصوت عالٍ” يساعد المعلم على متابعة وفحص التفسيرات التي يطرحها الطلاب أثناء التفكير. ويقتضي الاتجاه الضمني لتعليم التفكير أن يتحلى المعلم بكفاءة عالية في التعامل مع أسئلة المتعلمين وتوجيههم، بما يعزز ثقتهم بأنفسهم، مع تجنّب المبالغة في التأكيد على الحفظ كوسيلة للتعلم.(ابراهيم، 2005)

واقع الاتجاه الضمني في التفكير

تشير الوثائق إلى أن التفكير يحتل أولوية في المناهج الفلسطينية، إذ يمنحها الانتقال من التعليم السطحي إلى التعلم العميق، ويعتمد طرائق حديثة تبني القدرات بعيدًا عن التلقين، مع ربط المعرفة بالسياقات الحياتية وتشجيع البحث العلمي ورعاية الموهوبين وتنمية التفكير النقدي والعلمي (وثيقة الإطار العام للمناهج الفلسطينية المطورة، 2016: 12-13).

ولكن بالنظر لنتائج الدراسات السابقة التي تناولت واقع التفكير في المناهج الفلسطينية نجد أن مستويات التفكير النقدي والإبداعي لدى الطلبة ما تزال دون المستوى المأمول؛ إذ أظهرت دراسة تحليل محتوى لكتب الرياضيات الفلسطينية للمرحلة الأساسية الدنيا أن بعض مهارات التفكير المنتج للمعرفة متضمّنة، لكنها موزّعة بشكل غير متوازن وغالباً ما يغلب عليها الطابع الإجرائي الروتيني (زين،2022). أما في مناهج العلوم للصف التاسع، فقد كشفت دراسة نقدية أن تضمين مهارات القرن الحادي والعشرين والتفكير الإعلامي ما يزال جزئياً وغير متكامل، ويحتاج إلى تحسين في صياغة الأهداف وتوزيع الأنشطة .(Awad & Khaldi, 2019) كما أشار معلمو اللغة الإنجليزية والرياضيات في فلسطين إلى أن المناهج لا توفّر فرصاً كافية لتعزيز الإبداع، وأن التدريب على استراتيجيات التفكير ما يزال محدوداً، مما يجعل ممارسات التفكير ضعيفة التكرار والعمق (Awad & Harzallah,   2020).  ، وإضافة إلى ذلك كانت نتائج دراسة المصري (2022) تشير الى قصور كتب التربية الإسلامية الحالية عن تضمين مهارات التفكير القيادي بشكل كافي ومنهجي، إذ غلب عليها الطابع المعرفي التلقيني على حساب تنمية المهارات العليا للتفكير، مع غياب التكامل بين المحتوى والأهداف؛ حيث لم يُراعِ في كثير من الدروس توظيف التفكير القيادي ضمن سياق الأهداف التعليمية العامة والخاصة.

من الناحية العملية، يظل التطبيق الضمني لتعليم التفكير محدودًا، إذ يقتصر غالبًا على الأنشطة اللاصفية أو بعض المناقشات الصفية، بينما يغلب الاهتمام بالجانب المعرفي على تنمية مهارات التفكير العليا، ويتركز التقويم على الحفظ بدلاً من الإبداع، كما يظهر بوضوح في الاختبارات الوطنية والدولية مثل TIMSS وPISA 2023.

وعليه، فإن المناهج الفلسطينية تحمل بذور تضمين التفكير ضمنيًا، لكنها بحاجة إلى تطوير منهجي وتدريب المعلمين، واعتماد خطط قابلة للتطبيق لضمان انتقال التعليم من الطابع الشكلي إلى ممارسة التفكير الفاعلة.

المأمول في الاتجاه الضمني للتفكير

والمأمول الذي يمكن استخلاصه من نتائج الدراسات السابقة حول تعليم التفكير – وخاصة الاتجاه الضمني – يمكن تلخيصه في مجموعة من التوجهات التربوية التي تشكّل خريطة طريق لتطوير المناهج والممارسات التعليمية يتمثل في التحول من مجرد إدراج التفكير ضمنيًا في المناهج إلى دمجه بصورة منهجية ومقصودة في المحتوى والأنشطة الصفية، بحيث يصبح جزءًا أصيلًا من العملية التعليمية، وليس ممارسة عرضية أو مقتصرة على الأنشطة اللاصفية.

كما تبرز الحاجة للانتقال من التعليم الضمني إلى التعليم الصريح لمهارات التفكير العليا، مثل التحليل، التفسير، صياغة الاستنتاجات وتقييم الحجج، وهو ما يستلزم تدريب المعلمين على استراتيجيات حديثة كتقنيات التمهن المعرفي والتفكير بصوت مرتفع، التي تمكّنهم من توضيح عمليات التفكير للمتعلمين (Vygotsky, 1978; Collins, Brown & Newman, 1989).  ، وأضف لذلك ضرورة تدريب المعلمين على برامج التفكير المعروفة كبرنامج الكورت واعتباره أحد معايير التوظيف؛ لما له من فعالية في رفع مستويات التفكير باختلاف أنماطها ومهاراتها وذلك سينعكس ايجاباً على الطالب في الميدان التربوي

وتؤكد الدراسات أيضًا ضرورة إصلاح أنظمة التقويم، بحيث تنتقل من التركيز على الحفظ والاستظهار إلى قياس مهارات الإبداع، وحل المشكلات، والتفكير النقدي، عبر نماذج بديلة كالمشاريع والأبحاث والتقويم الواقعي وملفات الإنجاز  (Black & Wiliam, 2009).

الاستفادة من برامج الدول المتقدمة في تعليم التفكير كالتجربة الفنلندية، التي أثبتت تميزها في تعليم التفكير وذلك بدمج مهارات التفكير في جميع المواد الدراسية ضمن ما يُعرف بالكفاءات العريضة، حيث يُنظر إلى التفكير كجوهر للتعلم لا كمحتوى منفصل. فالتعليم الفنلندي يعتمد على التعلم القائم على الظواهر التي تربط المعرفة بالحياة الواقعية، وتشجع التفكير النقدي والإبداعي. كما يركّز النظام على التفكير التأملي والتقويم الواقعي بدلاً من الاختبارات الموحدة، ويُعدّ المعلم ميسرًا للتفكير من خلال الحوار والأسئلة المفتوحة. ونتيجة لذلك، نجح التعليم الفنلندي في بناء متعلمين مستقلين فكريًا وقادرين على التحليل والإبداع.

وعليه، فإن المأمول أن تصبح المناهج الدراسية بيئة متوازنة بين المعرفة والمهارة، بحيث يُنظر إلى المحتوى لا كغاية في ذاته، بل كوسيلة لتدريب المتعلمين على توظيف التفكير في مواجهة المشكلات الحياتية وبناء مجتمع متطور قادر على الإبداع والتجديد

المراجع

  • ابراهيم، مجدي(2005). المنهج التربوي وتعليم التفكير . ط(1)  دار الكتب للنشر والتوزيع : القاهرة
  • وزارة التربية و التعليم (2023). نظام المتابعة والتقييم للخطة الاستراتيجية القطاعية 2023 (2024). وزارة التربية والتعليم الفلسطينية
  • وثيقة الإطار العام للمناهج الفلسطينية المطورة (2016). وزارة التربية والتعليم الفلسطينية.
  • جروان، فتحي (2007). تعليم التفكير مفاهيم وتطبيقات. ط(3) دار الفكر للنشر : عمان
  • زين ، نوال (2022). مهارات التفكير المنتج للمعرفة المتضمنة في كتب الرياضيات الفلسطينية للمرحلة الأساسية الدنيا( رسالة ماجستير غير منشورة). جامعة القدس
  • المصري، آمنة (2020).اثراء كتب التربية الاسلامية للمرحلة الثانوية بمهارات التفكير القيادي (رسالة ماجستير غير منشورة)الجامعة الاسلامية، غزة.
  • Awad, A., & Khaldi, M. (2019). A Critical and Enrichment Study of the New Palestinian Science Curricula in Light of Media Education for the 21st Century: Grade Nine Curriculum as a Model. An-Najah University Journal for Research – B (Humanities). Retrieved from https://digitalcommons.aaru.edu.jo/anujr_b/vol37/iss12/5
  • Awad, A., & Harzallah, A. (2020). Teachers’ Views on the Factors That Limit Students’ Creativity in English and Math Curricula in Palestine. Research in Social Sciences and Technology (RESSAT). Retrieved from https://ressat.org/index.php/ressat/article/view/330
  • Black, P., & Wiliam, D. (2009). Developing the theory of formative assessment. Educational Assessment, Evaluation and Accountability, 21(1), 5–31.
  • Buskist, w. & Grberg, D.(1990). Psychology Boundaris and Frontiers, Scolt,Forsman- Little, Brown Higher Education, the University of CaliforniamUSA
,

خدماتنا

التدريب الاحترافي

استشارات

التصميم التعليمي


اترك رد

اكتشاف المزيد من منصة FirOn

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading