تفاجأت من ملخص تنفيذي نشره البنك الدولي عام 2007م بتناول مفاتيح تطوير التعليم في سبعٍ وعشرين صفحة فقط! وأكثر ما فاجأني هو عنوان المُلخص الموسوم بـ: “الطريق غير المسلوك… إصلاح التعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، وهو يعلم آسفاً بأنه طريق مهجور لم تسلكه دول المنطقة! وزيادة في المفاجآت التي لم تنتهي! فإن الملخص قد وضع الحلول كطريق واضحة محددة المعالم من خلال الإجابة عن ثلاث أسئلة رئيسة فقط هي:
- هل أنتجت الاستثمارات في التعليم النتائج المتوقعة وأعدت البلدان المعنية لتلبية الطلبات المتوقعة الجديدة على قوة عمل متعلمة تتمع بمهارات مختلفة؟
- ما هي أنواع الاستراتيجات والسياسات التي بنبغي بحثها لمعالجة أي فجوات في الإنجاز والإعداد على نحو أفضل للمستقبل؟
- بالنظر من جانب الطلب، هل تتيح أسواق العمل المحليّة الدوليّة منافذ فعالة لجني المنافع التي تحققها قوة عمل أكثر تعليماً؟
وفي الحقيقة وجدت أن هذه الأسئلة هي الأكثر إلحاحاً في وقتنا الحالي رغم قدم هذا التقرير، والذي برأيي لا يعكس حجم المأساة الحقيقية التي أصبح عليها التعليم الآن، فمعدلات البطالة تفاقمت بشكل كبير، ومجالات الإبداع انحسرت في ظل منظومة مناهج متقلبة على نحو تحاول التوزان بين الانفجار المعرفي الكبير، وبين متطلبات إنشاء جيل يواكب مُتطلبات أسواق العمل المحليّة والدوليّة دون جدوى!
والأكثر دهشة بالنسبة لي هو كيف لا يهتم صُناع القرار في الدول العربية بتطبيق ما خلص إليه هذا الملخص وغيره من التقارير التي تُقدم قداحات تُشعل فتيل القضاء على التخلف والبطالة المُتفشية بين أوساط الشباب والخريجين الذين يتكدسون كل عام دون أي علاج حقيقي لمشكلتهم، وإمعاناً في حالة التردي العلمي والمعرفي والمهاري لهم.
وهذا الملخص يقدم إطاراً مُقترحاً فعالاً لإصلاح التعليم في وصفة عجيبة، وسحريّة من ثلاث مكونات هي:
- الهندسة: فالهدف هنا زيادة كمية مدخلات الأنظمة التعليمية وتحسين نوعيتها من مدارس ومعلمين وبيئة تعليمية.
- الحوافز: وذلك بتوفير الفرص المناسبة لتحسين الأداء وتعزيزه كتقديم المكافآت المالية وغير المالية للمدرسين والمدارس بما يؤثر إيجاباً في سلوكهم.
- المساءلة العامة: وهي أداة هامة في تقييم التعليم كسلعة عامة تخدم جمهوراً كبيراً من المواطنين، بمعتى قدرة أولياء الأمور والطلاب على التأثير على صياغة أهداف وسياسات التعليم وتخصيص الموارد له.
ويرى الملخص أن عالمنا العربي قد ركز على الهندسة مبتعداً عن الحوافز والمساءلة العامة، بنسب متفاوتة بين الدول، لتتصدر كلاً من الكويت والأردن قائمة الدول الأكثر توازناً بين دول المنطقة في تلك المكونات الثلاث، رغم تركيز معظم الدول بشكل عام على الهندسة بتطوير المناهج كأحد هذه المدخلات عامدين إلى “هندسة كل شيء” وهو أمر لم يعد ملائماً لمتطلبات العصر سريع التغير والتطور!
وفي مفارقة مدهشة يرى البنك الدولي أن لا علاقة بين متوسط دخل الفرد في الدول بإصلاحات التعليم، أو حالة الاستقرار كذلك، فدول مثل لبنان وإيران وفلسطين شهدت صراعات وعدم استقرار في فترات سابقة ولكنهم يقتفون أثر أفضل البلدان أداءً، في حين أن أداء الجزائر والسعودية كان أدنى من أداء الأردن رغم ارتفاع متوسط دخل الفرد في كليهما!
كما ونوه الملخص إلى الاستثمار في التعليم والعوائد الاقتصادية المتوقعة إذا ما نجح التعليم في دول المنطقة، مبيناً أن على الأنظمة التعليمية أن تتكيف مع الطلبات الجديدة لسوق العمل المحلية والدولية، وذلك في ظل الأعداد المتزايدة من الشباب الذين يبحثون عن فرص عمل مناسبة، وأن يكون التركيز على اشراك القطاع الخاص ومنحه مزيداً من الحرية، لاستقطاب المزيد من الأيدي العاملة مما يسهم بشكل كبير في زيادة نتواتج التعليم وفائدته.
وتوقع البنك الدولي في ملخصه أن يعمل المعلمون كأطباء يطبقون نظام التشخيص ويكيّفون الاستجابات لتلائم احتياجات الطلاب والبيئة، وأن ينظر القائمون على العملية التعليمية بتطوير هياكل جديدة للحوافز للمعلمين.
وخلاصة القول فإن تحقيق الانسجام والتكامل بين المكونات الثلاث التي تناولها هذا المُلخص سيكون مردوده فاعلاً في إصلاح التعليم بشكل حقيقي، وبرأيي فإن إمعان النظر في بعض الأفكار الواردة به، ومحاولة تطويرها لتصبح خطة تنفيذية أمر جدير بالتجربة، ويستحق منا مزيداً من البحث، عوضاً من تكرار التجارب ذاتها في كل مرة!
يمكنكم الاطلاع على الملخص التنفيذي من خلال الرابط التالي:













اترك رد