طالبة تختار بين بطاقات تعليمية محفزة داخل الصف في تطبيق لاستراتيجية التحفيز ودعم المشاركة في التعلم
مقالاتي

استراتيجية التحفيز: كيف نبني رغبة الطالب في التعلّم والمحاولة؟

  • 21/10/2026
  • 6 دقائق قراءة
  • 4 مشاهدة

إعداد الفيديو: م. منال مصطفى

إعداد المقالة: د. أكرم فروانة

نشر: أ. صفاء نوفل

النشر عبر منصات التواصل الاجتماعي: أ.ريهام الدريملي

تعرف الطالبة الإجابة، لكنها تؤثر الصمت خشية أن تسمع زميلاتها صوتها. وتترك أخرى قلمها لأن حرفاً واحداً لم يأتِ على الشكل الذي أرادته، بينما تتنقل ثالثة في أرجاء الصف تبحث عن دور يُشعرها بأن وجودها مهم. هذه مشاهد مألوفة في كل صف تقريباً، وما يفعله المعلم بعد أن يلاحظها هو ما يحدد إن كانت الحصة ستمضي بهؤلاء الطالبات أو من دونهن.

يعرض هذا الفيديو استراتيجية التحفيز من خلال حصة في اللغة العربية، توظّف فيها المعلمة الفضول، والتدرج في المهام، والتغذية الراجعة، والعمل الجماعي. ونرى كيف تكفي أحياناً تدخلات صغيرة، تأتي في توقيتها الصحيح، لتعيد الطالبة المترددة إلى المحاولة.

والأهم في المشهد أن المعلمة تقرأ العائق أولاً، ثم تختار استجابتها؛ فالتردد في القراءة يحتاج إلى نوع من المساندة يختلف عمّا يحتاجه الغضب من الخط أو التشتت أثناء النشاط. لهذا، لن يفيد المشاهدَ أن يكرر عبارات المعلمة كما هي، بقدر ما يفيده أن يفهم لماذا تدخّلت ومتى، ثم يكيّف ذلك مع أعمار طلابه وقدراتهم.

التحفيز جزء من تصميم التعلّم

لا يتعامل الفيديو مع التحفيز بوصفه عبارات تشجيع تُقال في آخر الحصة، بل عملاً تربوياً مقصوداً يراعي شعور المتعلم بالأمان والقدرة والرغبة في المشاركة. فطريقة تقديم المهمة، وصياغة السؤال، ونوع المساندة، والتعامل مع الخطأ، كلها تعمل معاً. وقد تفقد مهمة جيدة قيمتها إذا قُدّمت تحت ضغط يجعل الطالب منشغلاً بتجنب الإحراج أكثر من انشغاله بالتعلّم.

ويقترب هذا الفهم من نموذج كيلر ARCS، الذي ينظّم التصميم التحفيزي حول أربعة أبعاد: الانتباه، والصلة، والثقة، والرضا. يعني ذلك عملياً أن يثير المعلم اهتمام طلابه، ويُظهر لهم معنى ما يتعلمونه، ويبني لديهم توقعاً واقعياً بالنجاح، ثم يمنحهم خبرة إنجاز يشعرون بقيمتها. ولا تأتي هذه الأبعاد بالترتيب في كل حصة، بل تتداخل بحسب حاجات الطلاب وطبيعة الموقف (Keller، 1987).

ويحضر في الفيديو أيضاً منطق نظرية التحديد الذاتي، التي تربط الدافعية الداخلية بثلاث حاجات أساسية: الكفاءة، والانتماء، والاستقلالية. وتشير مراجعة رايان وديسي إلى أن تلبية هذه الحاجات تساعد المتعلم على تبنّي قيمة التعلّم وأهدافه بدلاً من أدائه تحت الضغط. ويترجم المعلم ذلك في صفه إلى تحديات مناسبة، وعلاقة قائمة على الاحترام، وخيارات حقيقية تمنح الطالب صوتاً في تعلّمه (Ryan & Deci، 2020).

أما المكافآت، فتحتاج إلى قدر من الحذر. فقد خلص تحليل بعدي واسع أجراه ديسي وكوستنر ورايان إلى أن المكافآت الملموسة المشروطة بأداء المهمة قد تُضعف الدافعية الداخلية، في حين ارتبطت التغذية الراجعة اللفظية الإيجابية بنتائج أفضل (Deci et al.، 1999). وفتح الصندوق في الفيديو يحقق وعداً داخل النشاط، لكنه لا يبني وحده دافعية مستمرة. ما يبقى أثره هو شعور الطالب بأنه فهم شيئاً، أو أتقن مهارة، أو أسهم في عمل يقدّره زملاؤه.

صندوق الفضول: حين يصبح للقراءة هدف

تضع المعلمة صندوقاً أمام الطالبات، وتخبرهن بأن بداخله سراً لن يُكشف إلا إذا قرأن الجمل معاً. ومنذ تلك اللحظة يتغير معنى القراءة؛ لم تعد تمريناً مفروضاً، بل صارت طريقاً إلى معرفة ما في الصندوق.

وكلمة «معاً» ليست تفصيلاً عابراً. فهي تجعل الهدف إنجازاً مشتركاً، وتخفف عن الطالبة المترددة شعورها بأنها تواجه المهمة وحدها. وفي اللحظة نفسها، تستثمر المعلمة حركة ليان فتكلّفها بتوزيع البطاقات؛ فيتحول ما كان يمكن أن يُعدّ تشتتاً إلى دور يحتاج إليه الآخرون.

وحين يُفتح الصندوق ويظهر مجسّم العصفور، تكتمل التجربة التي مهّدت لها المعلمة. ثم تمتد الكتابة إلى هدف أبعد: مشاركة القصة مع جمهور المدرسة. وهنا تصبح اللغة أداة للتعبير والتواصل، لا مادة للحفظ فقط. ومن أراد نقل الفكرة إلى صفه، فليختر مثيراً يخدم المحتوى نفسه؛ فالصندوق يفقد قيمته إذا انشغل الطلاب بما فيه ونسوا ما يتعلمونه.

مهمة صغيرة تبني الثقة

من أكثر لحظات الفيديو دلالة أن تطلب المعلمة من ليان قراءة كلمتين فقط، ملوّنتين بالأحمر، بدلاً من الجملة كاملة. صار المطلوب واضحاً ومحدوداً، وصار البدء ممكناً. وبعد المحاولة، تشير المعلمة إلى دقة تهجئتها للكلمة الأولى، فتلفت انتباهها إلى نجاح تحقق فعلاً.

هذه المساندة تمنح الطالبة نقطة انطلاق. فحين تعرف ما أتقنته وما يحتاج إلى تدريب، يصبح إكمال المهمة أقرب إلى قدرتها. ويمكن للمعلم أن يستفيد من ذلك بتجزئة المهمة المعقدة، وتقديم مساعدة على قدر موضع التعثر، ثم سحبها تدريجياً كلما تحسّن الأداء، حتى يعتمد الطالب على نفسه.

وتضيف أدبيات التغذية الراجعة هنا ملاحظة مهمة؛ إذ يبيّن هاتي وتيمبرلي أن أثرها يتوقف على مضمونها وطريقة تقديمها، وأن المعلومات التي توضح الأداء وخطوة التحسن أنفع للمتعلم من الثناء العام على شخصه (Hattie & Timperley، 2007). لذلك يحسن أن تتبع الإشادة بالتهجئة الصحيحة إشارةٌ قصيرة إلى الكلمة التالية.

يمكن للمعلم، مثلاً، أن يقول: «قرأتِ الكلمة الأولى بدقة، فلننظر الآن إلى حروف الكلمة الثانية». عبارة واحدة تعترف بما تحقق وتحدد الخطوة التالية، فتبقى التوقعات مرتفعة، وتصبح المساعدة طريقاً إلى الإتقان لا بديلاً عنه.

مشاركة متدرجة تحترم الخجل

مع فرح، تبدأ المعلمة بسؤال يكفي أن تجيب عنه بإيماءة: هل يعيش العصفور في البحر؟ ثم تنتقل إلى سؤال فيه خياران، فتفتح أمامها باباً صغيراً للإجابة اللفظية. وحين تجيب فرح بصوت خافت، تعيد المعلمة إجابتها إلى المجموعة، فتصل مساهمتها إلى الجميع وتُقدَّر.

نرى هنا تدرجاً واضحاً في متطلبات المشاركة: من إيماءة، إلى كلمة، إلى إجابة أمام الزميلات. وتؤدي المعلمة دور «مكبّر صوت إيجابي» يوصل فكرة الطالبة، ويمنحها وقتاً لتنتقل بنفسها إلى مشاركة أكثر استقلالاً.

لكن هذا الدور يحتاج إلى حساسية. فبعض الطلاب يسعدون بأن تُنقل إجاباتهم إلى الصف، وبعضهم يفضّل في البداية تشجيعاً فردياً هادئاً. والتقدير الأنفع هو الذي يصف ما فعله المتعلم، كاختياره للإجابة أو تفسيره للفكرة، ثم يتيح له محاولة جديدة؛ فالغاية أن تتسع مساحة مشاركته بالقدر الذي يحتمله.

احتواء الإحباط وتقدير المثابرة

تغضب سارة من خطّها، فلا تتجاهل المعلمة انفعالها ولا تكتفي بتهدئتها. تعترف بما تشعر به، وتدعوها إلى أن تأخذ نفساً وتكتب حرفاً معها. يجمع هذا التدخل بين تهدئة الموقف ومساعدة مرتبطة بالمهمة نفسها، ثم يتجه التقدير إلى استمرارها، فتجد سبباً عملياً لإكمال الكتابة.

فالطموح إلى الإتقان قد يصحبه خوف يشلّ المحاولة. والمطلوب من المعلم أن يخفف هذا الضغط دون أن يتخلى عن هدف التحسن، وأفضل ما يعينه على ذلك أن يحدد تقدماً صغيراً يمكن رؤيته، ثم يبني عليه في المحاولة التالية.

ويتكرر المعنى نفسه حين تستعجل الزميلات سارة. تتدخل المعلمة، فتقدّر ما كتبته، وتقدّم موضع التعديل على أنه «سر صغير» بينهما. بهذا يُصحَّح العمل وتُصان كرامة الطالبة أمام مجموعتها. وقيمة التقدير هنا في صدقه وتحديده: ماذا حاولت الطالبة؟ وما الذي تحسّن؟ وما المساعدة التي تحتاج إليها الآن؟

أدوار واضحة ومؤشرات للمتابعة

توزّع المعلمة على الطالبات أدوار متابعة الوقت والكتابة والصور، فتعرف كل واحدة ما الذي ستقدمه للمجموعة. وتستعين بالاقتراب المكاني والتواصل الإيجابي لاستعادة الانتباه دون توبيخ. وهكذا يصبح تنظيم العمل نفسه دعماً للمشاركة.

وتوزيع الأدوار مدخل طبيعي لدعم الكفاءة والانتماء، ويزداد أثره حين يُتاح للطالب أن يختار دوره أو يتبادله مع زملائه. وقد وجد تحليل بعدي لباتال وكوبر وروبنسون أن إتاحة الاختيار ترتبط بزيادة الدافعية الداخلية والجهد، خصوصاً حين تكون الخيارات محدودة العدد وذات معنى (Patall et al.، 2008). ومع ذلك، يبقى على المعلم أن يراقب التفاعل داخل المجموعة، حتى لا تتحول الأدوار إلى قوالب ثابتة، ويحصل الجميع على فرصة للمحاولة.

ولمن أراد البدء، تكفي مهمة واحدة: مدخل يثير الفضول، وموضع يحتاج إلى تجزئة، وتغذية راجعة تصف الأداء. وبعد التنفيذ، يتابع المعلم مؤشرات يمكن ملاحظتها: هل بدأ الطالب المهمة؟ هل طلب المساعدة؟ هل عاد بعد الخطأ؟ هل صار ينجز أكثر باستقلالية؟

ويفيد أن يدوّن المعلم بعد الحصة ملاحظة قصيرة: ما الموقف الذي أثار التردد؟ وأي تدخل تلاه تحسّن في المشاركة؟ ثم يقارن ذلك بأداء الطالب في مهمة مشابهة لاحقاً. فهذه المتابعة البسيطة هي ما يكشف إن كان النجاح قد انتقل فعلاً إلى مواقف جديدة.

ملخص استراتيجية التحفيز

عناصر الدافعية المستدامة للتعلم: الاختيار والكفاءة والانتماء والقيمة
إنفوجرافيك تعليمي من FirOn يوضح أربعة عناصر تساعد المعلم على دعم دافعية الطلاب بصورة أكثر استدامة، وهي الاختيار، والشعور بالكفاءة، والانتماء، وإدراك قيمة التعلم.

الخاتمة

ينتهي الفيديو بطالبات أكثر ارتياحاً للمشاركة، لكن هذه الصورة لا تكتمل إلا حين نعرف ما الذي تعلّمنه فعلاً. فالتحفيز يوقظ الرغبة في المحاولة، والمساندة المناسبة توجّه هذه المحاولة نحو تقدم حقيقي. وهذا، في النهاية، جوهر التدريس اليومي: أن يجد الطالب فرصة آمنة ليجرّب، ومعلومة تعينه على التحسن، وسبباً يدعوه إلى أن يستمر.

المراجع العلمية

Deci, E. L., Koestner, R., & Ryan, R. M. (1999). A meta-analytic review of experiments examining the effects of extrinsic rewards on intrinsic motivation. Psychological Bulletin, 125(6), 627–668.

Hattie, J., & Timperley, H. (2007). The power of feedback. Review of Educational Research, 77(1), 81–112.

Keller, J. M. (1987). Development and use of the ARCS model of instructional design. Journal of Instructional Development, 10(3), 2–10.

Patall, E. A., Cooper, H., & Robinson, J. C. (2008). The effects of choice on intrinsic motivation and related outcomes: A meta-analysis of research findings. Psychological Bulletin, 134(2), 270–300.

Ryan, R. M., & Deci, E. L. (2020). Intrinsic and extrinsic motivation from a self-determination theory perspective: Definitions, theory, practices, and future directions. Contemporary Educational Psychology, 61, 101860.

استُعين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في دعم إعداد هذا المحتوى، ثم خضع لمراجعة بشرية كاملة للتحقق من دقة المعلومات والمصادر وسلامة الصياغة والحياد، مع بقاء المسؤولية التحريرية النهائية على عاتق مُعدِّه.

الردود

مقالات ذات صلة

منصة FirOn تنظّم ورشة للمعلمين في التصميم البصري التعليمي باستخدام الذكاء الاصطناعي
مقالاتي

منصة FirOn تنظّم ورشة للمعلمين في التصميم البصري التعليمي باستخدام الذكاء الاصطناعي

نظّمت منصة FirOn التعليمية ورشة تدريبية بمشاركة أكثر من 60 متدربًا، قدّمتها المدربة أ. سناء الخرطي، لتطوير مهارات المعلمين في توظيف الذكاء الاصطناعي لتوليد الصور وتصميم الإنفوجرافيك التعليمي،…

13/10/2026

النشرة البريدية

أحدث المقالات والدورات التعليمية تصلك إلى بريدك مباشرة، مرّة واحدة كل أسبوع.

نرسل رسالة واحدة أسبوعياً، ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.

اكتشاف المزيد من منصة FirOn التعليمية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة