بقلم: خليل أسعد عوض
باحث دكتوراه – مناهج وطرق تدريس
مقدمة
يُعدّ تعليم التفكير من أبرز مرتكزات التربية الحديثة، حيث لم يعد التعليم يقتصر على نقل المعارف، بل أصبح يستهدف تنمية مهارات عقلية عليا تؤهل المتعلم للتحليل والتفسير والتقويم والإبداع، ومن بين المداخل التربوية المعاصرة يبرز الاتجاه الضمني الذي يقوم على دمج مهارات التفكير داخل المناهج الدراسية والأنشطة الصفية بحيث يصبح التفكير جزءًا أصيلاً من عملية التعلم، وليس برنامجًا منفصلًا (Swartz & Perkins, 2016).
غير أنّ الواقع التربوي، خصوصًا في السياق العربي، ما زال يعاني من ضعف في تضمين مهارات التفكير في المناهج والأنشطة، حيث أظهرت دراسات تحليل محتوى للمنهاج الفلسطيني مثلاً أنّ التركيز الأكبر ينصب على التذكر ونقل الحقائق، مقابل حضور محدود لمهارات التفكير العليا (مرعي، 2022)، وفي المقابل تؤكد التوجهات العالمية الحديثة، مثل إطار PISA 2022، أن تعزيز التفكير الناقد والإبداعي أصبح ضرورة ملحّة لتأهيل الطلبة لمجتمع المعرفة (OECD, 2024).
من هنا يأتي أهمية هذا المقال في تناول الاتجاه الضمني في تنمية التفكير بين الواقع والمأمول؛ إذ يفتح هذا التوجه آفاقًا لتطوير التعليم العربي والفلسطيني عبر تبني سياسات تعليمية داعمة، وإعداد معلمين قادرين على صياغة أهداف مزدوجة” معرفية وتفكيرية”، وتوظيف استراتيجيات تدريس تجعل التفكير هدفًا أصيلاً في كل درس.
المقصود بالاتجاه الضمني في تنمية التفكير
يقوم الاتجاه الضمني على مبدأ دمج مهارات التفكير داخل الدروس المعتادة، فيتم تصميم هدف المحتوى جنبًا إلى جنب مع هدف تفكيري صريح مثل: المقارنة، التفسير، تقويم، وتُستخدم أنشطة تفكيرية داخل المحتوى بدلاً من فصل التفكير في برنامج مستقل بذاتها، وقد عرض سواترز وبيركنز إطارًا يبيّن أن تدريس التفكير يمكن أن يسير في مسارين متكاملين: كبرامج مستقلة أو دمج مهارات التفكير في مواد المنهج، والأنسب هو المزاوجة الذكية بينهما بحسب السياق المدرسي. (Swartz & Perkins, 2016)
الأسس النظرية التي تدعم الاتجاه الضمني
- الاتجاهات والميول الفكرية: حيث يؤكد إينيس (Ennis,2011) بأن التفكير الجيد ليس مجرد مهارة فقط، بل اتجاه وميول كحب الحقائق، والانفتاح، والإنصاف، لذا ينبغي أن يستهدف التخطيط الصفّي المهارات والاتجاهات معًا.
- النقل: بحثت هالبرن (Halpern, 1998) في كيفيّة نقل مهارات التفكير من سياق لآخر، حيث أوصت بتعليم منظم يدمج بناء المهارات مع تدريب بنيوي ومراقبة ميتامعرفية وممارسة متنوعة ، الذي يسهل تحقيقه عند تضمين التفكير في المحتوى اليومي.
- جعل التفكير مرئياً: إن الروتين الصفي مثل: أرى–أفكّر–أتساءل، تجعل من عمليات التفكير واضحة وقابلة للتقويم، حيث تُرسِّخ اللغة الذهنية وتدعم التأمل الذاتي (Ritchhart & Perkins, 2008).
- الميتامعرفية كرافعة تأثير: حيث أن استراتيجيات الميتامعرفة من الأعلى تأثيرًا على التعلّم وهو بالذات ما يعززه الدمج الضمني حين يُصمَّم بوعي (Hattie, 2008).
- الخريطة المفاهيمية للمقاربات: فالخرائط تُظهر مقاربات تدريس التفكير من مهارات، اتجاهات، تربية اجتماعية فكرية، وتدعم فكرة الدمج بوصفه بُنية تربوية تتقاطع مع هذه المقاربات بدلاً من أن تنافسها (Harpaz, 2005).
الواقع بين التحديات والفرص
- الواقع الفلسطيني: إن الواقع الفلسطيني ما زال يواجه تحديات واضحة فقد كشفت الدراسات أن تضمين مهارات التفكير في المناهج الفلسطينية ما يزال محدودًا، حيث يغلب التركيز على المستويات الدنيا من التفكير كالاستظهار، مقابل ضعف في إكساب الطلاب مهارات التفكير العليا مثل التقويم وحل المشكلات (مرعي، 2022)، كما يواجه المعلمون تحديات تتعلق بضيق الوقت وكثافة المناهج وضعف التدريب المهني، وبالتالي يمكن القول إن الواقع الفلسطيني يكشف عن فجوة بين التوجهات المأمولة لتبني الاتجاه الضمني، وبين الممارسات الفعلية التي ما زالت تحتاج إلى تطوير في المناهج وأساليب التقويم والتدريب التربوي.
- الواقع العربي: فتشير الأدبيات التربوية إلى أن تطبيق الاتجاه الضمني في تنمية التفكير لا يزال يواجه عقبات، أبرزها هيمنة أساليب التلقين، وضغط المقررات الدراسية، وضعف التدريب التربوي للمعلمين، فدراسات عربية متعددة أكدت أن دمج التفكير في المناهج يتم بصورة جزئية وغير منهجية، حيث يغلب الاهتمام بالمعرفة على حساب مهارات التحليل والنقد والإبداع ، ومع ذلك بدأت بعض وزارات التعليم في المنطقة بإدراج برامج تدريبية وأدلة عملية لتشجيع المعلمين على دمج التفكير، مثل الحقيبة التدريبية لجامعة المجمعة (2019)، وهو ما يمثل خطوة إيجابية يمكن البناء عليها لتقليص الفجوة بين الواقع والمأمول.
- الواقع الدولي: يشهد الواقع التربوي الدولي اهتمامًا متزايدًا بتضمين مهارات التفكير في المناهج الدراسية، حيث لم تعد هذه المهارات تدرّس في برامج مستقلة فقط، بل أُدمجت بشكل منهجي في المواد الأساسية كالعلوم والرياضيات واللغات، فقد أظهرت نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA 2022) أن التفكير الإبداعي أصبح محورًا رئيسيًا في التقييمات الدولية، مع إبراز الحاجة إلى ممارسات صفية تُنمّي التفكير النقدي والإبداعي في آن واحد (OECD, 2024) ، كما تؤكد الأدبيات الغربية أن استراتيجيات مثل جعل التفكير مرئيًا (Visible Thinking) والتعلم الميتامعرفي حققت نتائج ملموسة في تحسين مهارات الطلاب (Hattie, Ritchhart & Perkins, 2008) ويُظهر هذا الواقع أن الاتجاه الضمني أصبح توجهًا عالميًا راسخًا، وأن نجاحه يرتبط بالسياسات التعليمية التي تدعمه والتدريب المهني للمعلمين.
المأمول من الاتجاه الضمني
المأمول من تبني الاتجاه الضمني هو الانتقال بالتعليم من حفظ المعلومات إلى بناء متعلمين قادرين على التفكير الناقد والإبداعي وممارسة مهارات عقلية عليا في المواقف الدراسية والحياتية، إذ يُتوقع أن يسهم هذا التوجه في صياغة أهداف تعليمية مزدوجة (معرفية وتفكيرية) داخل كل درس، بحيث يصبح التفكير جزءًا لا يتجزأ من المحتوى الدراسي (Swartz & Perkins, 2016) ، كما يهدف إلى تعزيز النقل المعرفي، أي قدرة الطالب على استخدام مهارات التفكير في مواقف جديدة ومتنوعة، من خلال الممارسة الموجهة والوعي الميتامعرفي (Halpern, 1998).
وتشير المراجعات العالمية إلى أن تضمين استراتيجيات التفكير في المناهج يحقق نتائج ملموسة على مستوى التحصيل الأكاديمي والدافعية، حيث بينت تحليلات هاتّي (Hattie, 2008) أن الميتامعرفة واستراتيجيات التفكير من بين أكثر العوامل تأثيرًا في تحسين التعلم، وبذلك فإن المأمول من الاتجاه الضمني يتمثل في بناء ثقافة مدرسية تجعل التفكير ممارسة يومية، وتؤهل المتعلمين ليكونوا أكثر استعدادًا لمواجهة تحديات المستقبل ومقتضيات سوق العمل المعرفي، ويمكن في هذا الإطار تقديم توصيات عملية تتمثل فيما يلي:
- تضمين أهداف تفكيرية واضحة في المناهج إلى جانب الأهداف المعرفية.
- تدريب المعلمين على روتينات التفكير واستراتيجيات الميتامعرفة.
- تطوير أدوات تقويم تراعي التفكير والاتجاهات إلى جانب المعرفة.
- تبني سياسات تعليمية داعمة تجعل دمج التفكير هدفًا وطنيًا لا مبادرة فردية.
- تعزيز البحث التربوي العربي لإثراء الأدبيات حول تطبيق الاتجاه الضمني.
خاتمة
إن الاتجاه الضمني ليس اختزالاً لتعليم التفكير، بل تشبيكًا منظّمًا بين المحتوى والمهارات والاتجاهات، يعظّم فرص النقل ويجعل التفكير ممارسة يومية قابلة للملاحظة والتقويم، فكما ذكرنا ان الواقع العربي يُظهر بدايات واعدة لكنه يحتاج إلى سياسات منهجية وتطوير مهني وأدوات تقويم محاذية، وعندما تُصمَّم الدروس بأهداف مزدوجة وروتينات ثابتة وسلالم تقدير دقيقة، نقترب من المأمول: متعلّم يُفكّر بوضوح، ويبرهن بعدالة، ويبتكر بثقة .
المراجع والمصادر
- مرعي، أميرة. (2022). مدى تضمين عناصر المنهاج الفلسطيني في كتاب العلوم للصف الثامن الأساسي لمهارات التفكير الناقد )رسالة ماجستير)، جامعة النجاح الوطنية.
- Swartz, R. J., & Perkins, D. N. (2016). Teaching thinking: Issues and approaches. Routledge.
- OECD. (2024). New PISA results on creative thinking. Organisation for Economic Co-operation and Development.
- Ennis, R. H. (2011). The nature of critical thinking: An outline of critical thinking dispositions and abilities. University of Illinois
- Halpern, D. F. (1998). Teaching critical thinking for transfer across domains: Dispositions, skills, structure training, and metacognitive monitoring.
- Ritchhart, R., & Perkins, D. (2008). Making thinking visible. Harvard Project Zero.
- Hattie, J. (2008). Visible learning: A synthesis of over 800 meta-analyses relating to achievement. Routledge.
- Harpaz, Y. (2005). Approaches to teaching thinking: Toward a conceptual mapping of the field.














اترك رد